أهل القرآن.. هم أهل الله وخاصته، عاشوا بالقرآن سماعاً وتلاوة وحفظاً وتدبراً، فترَك القرآنُ أثرَه فيهم همةً وعزةً وكرامة وهيبة وعلماً، وكان لهم شفاءً وغنىً وأنساً.

تقلِّب النظر في وجوههم التي طُبِعَت ملامحُها على أوراق مؤلَّفاتهم، أو في مصنفاتٍ جمعَت تراجمَهم أو أخبارهم أو فنونَهم، فترى نوراً ينبعث بين الحروف، يصل شعاعه إلى قلبك، ليؤثر حالهم في حالك، وتستشعر الزيادة في إيمانك كلما زدتَ اغترافاً في أخبارهم ونظراً في أحوالهم.

 

فترى لهم حالاً مع الله تعالى عجيباً، وورعاً وديناً مع خلق يوازي علمهم أو يفوقه، وتقرأ ذلك في ترجمة كل عَلَمٍ منهم، وكانوا يحرضون على العبادة حرصَهم على العِلم، ومن أمثلة ذلك أن الأسود -رحمه الله تعالى- كان رأساً في العلم والعمل، والفقه والقراءة، وكان يختم في كلِّ ستٍّ، وفي رمضان في كلِّ ليلتين، توفي سنة أربعٍ وسبعين، وكان له ثمانين حجةً وعُمرةً.

هذا الالتفات إلى الدين عن الدنيا، وإلى السماء عن الأرض، وإلى الله عن الخلق، أورثهم عزة وهيبة في قلوب كبرائهم، فكانت مكانتهم في دولتهم وعند ولاة أمورهم محفوظة مكرَّمة، لا يتصدَّعون لظالم، ولا يحابون حاكماً.

 

وكانت عيونهم -منذ نشأتهم- معقودةً على علمائهم، فكانوا يحرصون على مجالستهم، بل يحسبون أعمارهم بأحداثهم وأخبارهم، فتقرأ مثلاً في وصف الدوري -رحمه الله تعالى- أنه: (ولد ببغداد سنة خمسين ومائةٍ في أيَّام المنصور، وفيها مات أبو حنيفة وولِد الشَّافعي، ولَمَّا بلغ أربع سنين مات حمزة الزَّيات، ولَمَّا بلغ ستَّ سنين مات أبو عمرو بن العلاء، ولَمَّا بلغ عشرة سنين مات نافع، ولَمَّا بلغ أربعة عشر ولِد أحمد بن حنبل...).

 

وترى أن لهم جلَداً عجيباً وصبراً غريباً في تحصيل العلم، ونظراً في أهله الذين يتلقون عنهم، فلا يتلقَّون القرآن عن أيِّ أحد، بل يعلمون أن هذا العلم دين، فينظرون عمَّن يأخذون دينهم، وقد ورد أن خلف بن هشام قصد شعبةَ ليَقرأ عليه فصدَر من شعبة كلمةً كرهَها خلف، فرجع ولم يقرأ عليه.

 

أما في الصبر على التحصيل فقال خلف بن هشام: أتيت سُليم لأقرأ عليه، وكان بين يديه قومٌ أظنُّهم سبقوني، فلمَّا جلستُ قال: مَن أنت؟ قلت: خلف، قال: بلغني أنَّك تريد التَّرفُّع في القراءة، لستُ آخذٌ عليك! قال: فكنتُ أحضره فأسمَع فلا يأخذ عليَّ، فبكَّرت يوماً من الغلس، فخرجَ وقال: من ها هنا يتقدَّم، فتقدَّمتُ وجلستُ بين يديه، فافتتحتُ سورة يوسف -وهي من أشدِّ السُّور إعراباً-، فقال: مَن أنت؟ ما سمعتُ أقرأَ منك قطُّ! قلت: خلف، قال: ما يحلُّ أن أمنعَك، اقرأ، فكنتُ أقرأُ عليه حتى قرأتُ يوماً فبلغت قولَه تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} [غافر:7]، فبكى وقال: يا خلف، ترى ما أكرمَ المؤمن على الله؟! نائماً على فراشه والملائكة يستغفرون له!

 

وأما في الجد لترسيخ الحفظ، فقد قرأ الشيخ أبو بكر التمار على رويس سبعاً وأربعين ختمةً، وقرأ مجاهد بن جبر المكِّي على عبد الله بن عبَّاس ثلاثينَ ختمةً، يقف على كلِّ آية فيسأل عن سبب نزولها ومعناها ولُغاتها وإعرابها، وكان علقمة بن قيس (أبو شبل) يختم في كلِّ خمسٍ، وقام بالقرآن في ليلةٍ عند البيت، وأما شعبة بن عياش فلَمَّا حضرته الوفاة بكت أختُه أو ابنته، فقال: (يا بنيَّة، لا تبكين، أتخافين أن يعذبني الله بالنَّار وقد ختمت بهذه الرِّوايات أربعة وعشرين ألف ختمةٍ).

 

هذا الجلَد بالتحصيل خلَّف جلداً بالأداء، فانعكس دأباً على تعليم الناس، فتقرأ أن نافع أقرأ النَّاسَ بالمدينة أكثر من سبعين سنة، وورد في وصف حفص: (وأقرأ النَّاس دهراً)، وقد رحلوا لنشر علومهم، وتحمَّلوا السفر والغربة في سبيل ما آمنوا بضرورته للناس، فورد مثلاً في وصف ابن الجزري: (طاف كثيراً من البلدان، وأقرأ النَّاس بها حتى ذاع صيته وانتشر، فكانت شيراز محطَّته الأخيرة التي مات فيها)، وورد أن أبا عبد الرَّحمن الضرير أقرأ النَّاس أربعين سنةً.

 

ومع هذا البذل عمدوا إلى التأليف والتصنيف، فكان كلٌّ منهم يدلي بدلوه، ويربي ابنه المخلَّد بخط قلمه، ولم تقتصر مؤلفاتهم على القرآن الكريم وقراءاته، فقد كانت لهم علوم أخرى غير القراءة، كالنحو والفقه والحديث والأنساب والتاريخ... يبذلون لها وقتاً وجهداً ومالاً، فعن خلف بن هشام أنه قال: (أشكَلَ عليَّ بابٌ من النَّحو فأنفقت ثمانين ألفاً حتى عرفتُه).

 

وعلى تنوُّع اختصاصاتهم برعوا في كلٍّ منها، ففي أبي الحارث الحذَّاء (إمامٌ مقرئٌ حاذقٌ، وراوٍ محقِّقٌ ضابطٌ)، وقيل في الإصبهاني: (كان إماماً في النحو، أستاذاً في القراءات)، وكان الأعمش إماماً جليلاً لم يكن في زمانه أقرأ لكتاب الله تعالى ولا أحفظَ للحديثِ ولا أعلمَ بالفرائضِ ولا أعلمَ باللُّغة منه، ظهر -أي:حفظ- أربعة آلاف حديثٍ ولم يكن له كتاب.

 

هذا الجلد في تحصيل العلم، والحذر والنظر في أهل العلم الذين يتلقون عنهم، والصبر على التحصيل، والجد في الترسيخ والحفظ، والدأب على تعليم الناس، ثم الانصراف إلى التأليف والتصنيف..، أورثهم إتقاناً غريباً، قال حمزة: (ما قرأتُ حرفاً من كتاب الله إلَّا بأثرٍ)، وكان سليمان بن مهران الأعمش لا يَلْحَن حرفاً، وقال خلف بن هشام: قرأت على سُليم في يومٍ من أوَّل القرآن حتى بلغت سورة المنافقين، فما ردَّ عليَّ شيئاً، فانتهيت إلى قوله تعالى: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون:8]، فرفع رأسه وقال: إنك -يا خلف- والله حافظٌ؛ ولكن تحتاج إلى قليل فقهٍ، فقلت: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ} [المنافقون:7]

 

 وإنك حين تقرأ سيَرهم تلاحظ أنَّ من ساد منهم وبقي ذِكرُه هو أكثرهم إتقاناً، فكثيراً ما تقرأ في صفاتهم: (وكان محقِّقاً ذا ضبطٍ وإتقانٍ)، حفظوا القرآن فحفظهم، ورفعوه فرفعهم، والتزموه فأكرمهم، ولازمهم إلى آخر لحظة في هذه الحياة، فكان آخر ما قرأ عاصم -مثلاً- وهو يحتضر: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ} [الأنعام:62]، ولَمَّا غُسِّل أبو جعفر المخزومي بعد موته نظروا ما بين نحره إلى فؤاده فرأوا مثل ورقة المصحف.

أما غير المتقنين والعاملين المخلصين فبقي في مدارج التلاميذ الذين طوى الدهر سيرتهم.

 

هذا، وتتعلم منهم أنهم مع مكانتهم العليَّة في القراءة والمشيخة، كانوا عاملين يتكسبون أرزاقهم ويسعون في أقواتهم، فتقرأ في كناهم: (النَّبَّال، والقوَّاس، والبزِّي، والعطار، والحنَّاط، والعشَّاب، والحصَّار، والخياط، والتَّمَّار، والصَّائغ، والقلانسي، والعلاف، والكتاني، والحذَّاء، والقزَّاز، والصَّيرفي، والزَّيات...)، لم يكن اشتغالهم بالقرآن والإقراء والتصنيف عذراً لهم أمام نفوسهم حتى يُلقوا حملهم على غيرهم، إنما توازنوا في المسير مترددين بين مصالح الدنيا وواجبات الدين.

كان حمزة بن حبيب الزَّيات يجلب الزَّيت من العراق إلى حلوان، ويجلب الجبن والجوز منها إلى الكوفة.

وقال خلف بن هشام: وأقرأتُ النَّاسَ وأنا ابن ثلاث عشرةَ سنةً، واشتهر بـ "خلف البزَّار"؛ لِمَا كان يجلِب بزر الكُتَّان من البصرة إلى الكوفة، وكان يكرَه أن يُقال له: البزَّار، ويخرج في ذلك ويقول: ادعوني خلف القارئ! وكان خلف موسَعاً، وكان في يوم الأحد يُهيئ طعاماً نفيساً كثيراً، ويدعوا الكِسائي والفرَّاء ونظراءهم من الأئمَّة والعلماء، فيأكلون، ثمَّ يجلسون فيتذاكرون من العلوم فقهاً وحديثاً وصرفاً ونحواً ولغةً وغير ذلك.

 

جعلنا الله منهم، ونفعنا بسيَرهم، وهدانا لنحو أعمالهم، وجمعنا بهم تحت ظل عرشه.