تصلني هذه الأيام بعض الفيديوهات والصور حول حالة الأزواج بالبيت بعد أن أُجبِروا على البقاء مع بعضهم طوال اليوم والليلة تقريبا ً24 ساعة أو أقل قليلاً؛ هي فيديوهات ساخرة.. لكنها تعكس - ربما - واقعاً معيشياً في عدم قدرة الأزواج على تحمل بعضهم البعض، والتعايش السلمي فيما بينهم، والتغاضي عن الزلات والأخطاء؛ إذ إن البشرية فينا تقتضي أن نخطئ في تصرفاتنا وتزلّ ألسنتنا وننسى ونتعب ونملّ... هكذا خلقنا الله! ولم يشأ أن نكون كالملائكة لا يخطئون ويفعلون ما يأمرهم به الله.. لو كنا كذلك لأماتَنا وجاء بأناس يخطِئون ويستغفرون... ذلك في حق الله، فكيف بحقنا فيما بيننا؟!!

إن من يعرف تلك الحقيقة لا بد أن يرعوي ويتَّق الله فيمن ربطه به ميثاق غليظ، وجعل المودة والرحمة هي العملة التي يجب أن تنفق ونكثر منها؛ خاصة في هذه الأيام العصيبة التي تتطلب من الزوجين الالتفاف حول بعضهم البعض، والرفع من معنويات بعضهم، وبث الأمل والتفاؤل بينهما وفي أبنائهما...

 

ما أحوج الزوج اليوم لزوجته.. تتفهمه وتتقرب إليه وتحتويه بروحها..

تتسامر معه، وتستعيد معه ذكرياتهم الحلوة (أكيد إنها موجودة، عليهم بتذكرها فقط)..

تحسّسه بأهميته في حياتها وحياة الأسرة..

تُكبِر فيه جهده ليوفر لها العيش الكريم، ويوفر لها احتياجاتها واحتياجات الأولاد..

تشكره لوجوده معها، وتمدح فيه شهامته وقوته.. وحتى جماله..

تحترمه وتتقبّله كما هو، وتعتذر عن حماقتها السابقة بمحاولتها تغييره وتنغيص حياته بسبب عادة فيه لم تعجبها، أو بسبب تصرف صدر منه من غير تبصُّر وفي حالة لا وعي منه...

 

وما أحوج الزوجة لزوجها.. يكون بالقرب منها.. يتفهمها..

يشبعها حباً يحيي روحها.. ويسمعها كلاماً جميلاً ينعش قلبها..

يقدر ما تقوم به من أجله وأجل الأولاد..

يشكرها على أي جهد ولو كان بسيطاً لتوفير الراحة له والسهر على نظافة البيت والأولاد ونظافة ثوبه وفراشه...

يؤانس وحدتها.. يحدثها.. يمازحها.. يتجاوز عن زلاتها.. يتفهم احتياجاتها التي لن تُلبى إلا من طرفه..

يخفف عنها وجعها وخوفها من المستقبل..

يحسسها بوجوده إلى جنبها مهما تكالبت عليهما الدنيا، ومهما أصابها من ابتلاء في جسمها أو أولادها أو أهلها..

 

هي تخشى إن مرضت وطال سقمها أن يتركها ويذهب باحثاً عن امرأة أخرى - خليلة -؛ وهي التي أفنت شبابها معه ووقفت إلى جانبه حين مرض، ولم تتركه باحثة عن حياتها وشبابها!!

إنها تخاف من أن يكسر فؤادها ويدوسه بقدمه ولا يلتفت إليها وهي زوجته وأم أولاده...

إنها كالزجاجة يسهل كسرها ويصعب جبرها.. فهي أعطته كل شيء وتنتظر منه أقل شيء...

 

أيها الزوج، خاطب زوجتك بعقلية المرأة لا بعقلية الرجل.. إنها تنظر للأمور بالعاطفة ويحركها الحدس.. تحب التفاصيل وتركز عليها.. يهمها الحب والمشاعر الجياشة، والحب عندها موجات ترتفع وتنزل؛ ترتفع حين تشبع به، وتنزل حين تجوع إليه، وهنا تصبح في حالة من العصيان واللامبالاة وربما تصل إلى الانهيار، فاذا طلبتَ منها شيئاً يصعب عليها الطاعة.. فلا بد أن تتفهم ذلك ولا تبخل عليها بالحب والعطف.. وفي حقيقة الأمر: إنك إن بخلت عليها فإنما تبخل على نفسك..

والزوجة إن تحدثَت إليك فإنها لا تشتكي ولا تبحث عن الحل؛ إنما تريد الفضفضة فقط.. فأعطها أذنك واهتم لما تقوله؛ وانظر في وجهها من حين لآخر، فذلك يريحها ويجعلها تستقبل يوماً جديداً بقوة ومعنويات مرتفعة فتسعد أنت ويسعد الأولاد..

 

 اِفهم - أيها الزوج - أنك والاولاد من أولويات زوجتك؛ فلا تلمها إن ألحَّت عليك في الاهتمام بها وبالأولاد كما تحب هي لا كما ترى أنت.. فربما تريد منك تخصيص وقت لها وللأولاد، فتلك لغتها التي تفهمها، وربما تود أن تُسمِعها كلمات حب وتقدير وشكر.. هي تحب أن تكون رقم واحد في حياتك؛ فحاول من حين لآخر تحسيسها بذلك..

كن سنداً لها وناصراً؛ خاصة أمام الغرباء أو الأصدقاء، وحتى الأهل؛ فذلك يجعلها تراك فارسها الشجاع الذي لا يقبل عليها الضيم، وذلك حقاً يسعدها..

 

ويا أيتها الزوجة.. تفهّمي زوجك، وخاطبيه بعقلية الرجل لا بعقلية المرأة.. فالرجل عقلاني منطقي، وإن خاطبتِه بالعاطفة لا يفهمك، بل ويقلق من خطابك وأسلوبك في الحديث معه..

كما إن الرجل من صفاته أنه شمولي؛ لا يحب التفاصيل ولا يركز معها، لذلك لا يرتاح لكلامك الطويل والكثير، ويحبّذ أن تلخصي له، وإن أطلت في الكلام فلا يسمع إلا ما يريد هو سماعه؛ لذلك كثيراً ما يلومك ويقول لك إنك لم تخبريه بذلك الأمر أو تلك القضية، وأنت تُقسمين بأنك أخبرته؛ لكنه يصرّ على قوله؛ وهنا توقفي عن تكذيبه بل قولي له: "نعم أنت محق، ربما نسيت أن أخبرك، وجل من لا يسهو!".

مازحيه وكوني خفيفة الروح معه، بشوشة لا عبوسة، نكاتة لا نكادة.. قليلة الشكوى كثيرة السلوى.. افهمي ما يريده من لمحة، فالرجل يحب المرأة الذكية اللمَّاحة ويسكن إليها؛ لأنه رضي بها وعنها..

 لا تطالبي زوجك بأن تكوني وأولاده من أولوياته؛ لأن الرجل أولويته العمل، ثم تأتي أسرته، وربما يكون والداه أو أحدهما أولى من أسرته، ولابد أن تقبلي هذا الأمر؛ لأن الله خلق الرجل هكذا حتى يستطيع إعمار الأرض بالعمل...

 

 اعلمي - أيتها الزوجة - أن زوجك إذا أغرقتيه حباً سوف يختنق ويفرّ منك؛ لأن الرجل لا يبحث عن الحب مثل المرأة بقدر ما يبحث عن الاحترام، واحترام الزوج هو تقبله كما هو.. فحذار من محاولة تغييره؛ لأنه لن يقبل منك ذلك، ولن يتغير، بل سيغيرك بامرأة أخرى تتقبله كما هو بكل عيوبه.. ولأنه ببساطة لا أحد يستطيع أن يغير أحداً آخر؛ ولو كان ذلك ممكناً لاستطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغير قومه، ولكن الله قال له: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56]، وقال: {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية: 22]؛ لذلك اهتمي بتغيير نفسك على بوصلة زوجك، فإذا رآك تغيرت فسيتغير هو أيضاً لا شعورياً؛ لأنك جذبتيه إليك حين تقبّلتيه وتوقفتي عن محاولة تغييره؛ وبذلك تحققين سعادتك وسعادة زوجك وأولادك، وتكسبين استقرار بيتك.

 

أيها الأزواج، تفهموا بعضكم حتى لا تظلموا أنفسكم..

لبُّوا احتياجات بعضكم بعضاً...

أنفقوا مما حباكم الله به من حب واحترام..

اصبروا وتصابروا على بعضكم؛ ففي ذلك أجر عظيم..

أشيعوا الود والرحمة بينكم لتشعّ في بيوتكم، وتنتشر السعادة فيها ويكون هذا الحَجر نعمة عليكم لا نقمة؛ قد أرادها الله لتعرفوا قيمة العلاقة الزوجية وتحسنوا الحفاظ عليها قبل أن تزول.

 

 

بقلم أ.رشيدة قادري

مدربة ومستشارة في العلاقات الأسرية والتربوية