بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أرحب بالسادة المستمعين، والإخوة العاملين في الأستوديو، والضيوف الكرام.. وبعد:

فإن العنف ضد المرأة ظاهرة عالميّة، فهي لا تقتصر على البلاد العربيّة ولا على المسلمين في العالم، بل تشكو منها نساء العالم كلّه، حتى تصدر ذلك بأرقام سوداء، فمنذ سنوات كتب ريتشارد جونز في مجلة "القبالة وأمراض النساء" في أميريكا عام (1992م): (هناك وباء يجتاح بلادنا، إنه لشنيع، إنه غير قابل للتجاوز عنه أو التَّساهل في أمره، إنه في كلِّ اثنتي عشرة ثانية في الولايات الأمريكية تَخضَع امرأة لهذا الوباء، في كلِّ اثنتي عشرة ثانية تُضرَب امرأة إلى درجة التحطيم أو القتل من قِبَل زوجٍ أو صديق، وفي كلِّ يوم نرى نتائج هذا الضرب وآثاره في مكاتبنا، في غرف الطوارئ لدينا، وفي عياداتنا...).

 

هذا، ولا يقتصر العنف الذي يُمارس على المرأة بالنوع الجسدي وحسب، بل هو على أنواع؛ فمنه عنفٌ بدنيّ ومنه عنفٌ نفسيٌّ ومنه عنفٌ لفظيٌّ.

والذي يعنينا هنا وعلى هذا المنبر الكريم هو الحديث عن هذا الوباء بين المسلمين، فبعض المسلمين من الرجال يتمسّكون بما يزعمون أنّه حقٌّ شرعيٌّ لهم وواجب عليهم، فيبادرون إلى الضرب المؤذي محتجّين بقوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34]

 

وهذا التدرج في العقاب الذي سيق في الآية الكريمة هو لمعرفة مدى تعنّت المرأة، فإن لم يفلح الوعظ استخدمنا بعد مدة أسلوب الهجر، فإن لم يفلح الهجر -والهجر في نفوس أكثر النساء أشدّ من الضرب- عند ذلك فقط يجوز إعادتها إلى جادّة الصواب بالضرب المشروط والمضبوط لأجل المصلحة، وهو بقدر ما يُضرب ابن عشر سنين إذا ترك الصلاة، فهو ضرب هدفه إعادته إلى ما فيه مصلحته، وإرجاعه إلى جادّة الصواب، وإبعاده عن طريق الهلاك محبةً وحنانًا ورأفةً به وتقويمًا لجهله.

 

وهناك ملمح خطير في هذه المسألة، فربّما يكون الرجل هو سبب نشوز المرأة... فقد عقّها قبل أن تعقّه.... ليكون هو من يحتاج للتأديب أو الضرب، وليست المرأة.

عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده، ولا امرأة ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله...) [مسلم].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَضْرِبوا إِماءَ الله»، فجاء عمرُ رضي الله عنه إِلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ذَئِرنَ النساءُ على أزواجهن -أي: تجرَّأن-، فرَخَّصَ في ضربهن، فأطاف بآلِ رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءٌ كثير يَشْكُون أَزواجهنّ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لقد طاف بآل محمد نساءٌ كثير يشكون أزواجهنَّ، ليس أولئك بخيارِكم» [أبو داود].

فَضَربُ النساء ليس من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من سنَّته المطهَّرة.

 

ولئن جاء في القرآن الكريم: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا}  [النساء:34]، فإنما الإذن بالضرب فيها لحالة استثنائية لا طبيعية.

 

قال عطاء -رحمه الله-: لا يضربها وإن أمَرَها ونهاها فلم تطعه، ولكن يغضب عليها).

قال القاضي: هذا من فقه عطاء ، فإنه من فهمه بالشريعة ووقوفه على مظانِّ الاجتهاد؛ علم أن الأمرَ بالضرب -هاهنا- أمرُ إباحة ، ووقفَ على الكراهية من طريق أخرى في قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن زمعة : «إني لأكره للرجل يضرب أمته عند غضبه ، ولعله أن يضاجعها من يومه» [روى البخاري معناه].

 

ثم إنَّ الفقهاء متَّفقون على أن الإذن بالضرب إنما هو للإباحة لا للوجوب ولا للسنيَّة، وصرَّح الشافعية بأنَّ تركَ الضرب بالكلية أفضل، وقال الحنابلة: الأولى تَركُ ضَربِها إبقاءً للمودَّة.

وغنيٌّ عن الذكر أنَّهم مجمِعُون على أنَّ الضرب المأذون به له شروط وضوابط تجعَله للتأديب لا للتَّشفِّي والأذى.

فمن أراد الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم الزوج فما ضرب صلى الله عليه وسلم بيده امرأة قط.

 

والحمد لله رب العالمين