كان هذا اللقاء في أولى حلقات برنامج "كنوز الإسلام" بعد رمضان 1436هـ، على قناة الوطن الجزائرية..

أدار الحوار الدكتور موسى عبد اللاوي، مع أ.أحمد رباح والشيخ عمار رقبة ضيوفاً على الحلقة.

هل يصح أن يفرح المسلم بانقضاء شهر الصيام؟

الإسلام دين مثالي واقعي، يرعى مصلحة الدنيا كما الآخرة، يتوافق والفطرة الإنسانية.

ومن هنا: فنحن نفرح لدخول الشهر، ونفرح لتمامه، ومن حقنا أن نفرح بعد تمام شهر الصيام فرحة كبيرة بعد أن كنا نفرح فرحتنا الصغيرة كل يوم: «للصائم فرحتان ، فرحة عند فِطْره ، وفرحة عند لقاءِ ربِّه» [متفق عليه].

ولهذه الفرحة سببان:

  1. أن الله تعالى أباح الطعام والشراب التي جبلت النفس على حبهما.
  2. سروراً بتوفيق الله تعالى لتمام صيام ذلك اليوم.

وبعد تمام رمضان الفرحة آكد وأحق، لتمام الشهر وللإذن بالفطر الذي تحبه النفس وترتاح إليه، ناهيك عن فرحة العاملين المخلصين الذين قدموا من العمل ما يرجون به المغفرة: «مَنْ قام رمضانَ إيمانا واحتسابا غُفِرَ له ما تقدَّم مِنْ ذَنْبِهِ» [متفق عليه]، «من صام رمضانَ إيمانا واحتسابا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِهِ» [البخاري]، «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِهِ» [متفق عليه].

وهو فرح بالرتبة التي يحصلها المسلم،  قال الزمخشري: (روي أن موسى وعد بني إِسرائيل وهو بمصر إِن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتابٍ من عند الله فيه بيانُ ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب فأمره بصوم ثلاثين يوماً وهو شهر ذي القعدة فلما أتمَّ الثلاثين أنكر خلوف فمه «تغير رائحته» فتسوّك فأوحى الله تعالى إِليه: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك} فأمره تعالى أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة، ثم أنزل عليه التوراة). [صفوة التفاسير (1/ 435)]

فالصائم يترقى في الرتب، ويتأهل للعطاء الإلهي، وله الحق في الفرح عند فراغه من امتحانه.

لكن المشكلة هي فرحة المقصرين، الذين دار معهم التقصير في رمضان، وفرحوا لانتهائه فرحة الخلاص، نظروا إلى الثمن، ولم ينظروا إلى المغنم، رأوا التكليف، وتعاموا عن التشريف، فيفرحون لزواله بعد أن نزل عليهم ضيفاً ثقيلاً، عظُمت مشقته، وراحوا يعدون أيامه ولياليه، حتى إذا دنا العيد فرحوا بخروج الشهر، ورجعوا إلى ما اعتادوا عليه من الشهوات واللذات بعد أن حال الشهر بينهم وبينها.

رب ذنب أورث ذلا وانكساراً خير من طاعة أورثت عناداً واستكباراً.

ورب رمضان هو رب سائر العام، وبابه مفتوح.

 

في رمضان حصل المسلم على مكاسب كثيرة، كيف يمكنه المحافظة عليها:

قال الله تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء:34].

رمضان: جهدُ شهر، ومجدُ دهر.

فلا شك أن رمضان أهَّلنا لمرتبة عالية، رفع سوية الإيمان الحق عندنا، فالصائم يتعبد ربه عبادة السِّر، بإمكانه أن يفطر إن شاء، ولا يطلع عليه أحد، لكن إيمانه بالله تعالى، واستحضاره لمراقبته يمنعه من ذلك، وكلما حدثته نفسه بالفطر حدثها بتلك الرقابة السماوية، وبهذا يتقوى إيمانه، ويستشعر قرب ربه.

طبعاً لا نقول بأن هذا التدريب مقتصر على رمضان، فهو موجود في عبادات أخرى كالصلاة مثلاً، فلو أتاها من دون طهور لما علم الناس به، لكن مراقبة ربه تمنعه من ذلك، وكذلك في صلاته السرية يقرأ القرآن ويذكر ربه في تسبيحاته، ولو سكت عنها واشتغل بهموم حياته لخفي ذلك على الناس، لكن إيمانه بالله تعالى يحول دون ذلك.

 

وكذلك فإن رمضان دربنا على تحقيق الاستسلام والعبودية لله تعالى، فتجد العبد يمتل أمر ربه: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]

وحتى لو أراد وصال الصوم، فإن الشرع كره له ذلك إسراعاً في الاستجابة لأمر الصوم، وأمر الفطر.

يستشعر العبد أنه في عبوديته ينفذ الأوامر الإلهية وليس الشهوات البدنية، {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} [هود: 112]، لا كما اشتهيت.

طبعاً لا نقول -أيضاً- بأن هذا التدريب مقتصر على رمضان، فهو موجود في عبادات أخرى كاجتنابه في الحج محظورات الإحرام، واستخراجه من ماله الزكاة مخالفة لطمع النفس وشرهها.

 

ومن تلك المكاسب أيضاً: التعرض للمغفرة غير مرة، فمغفرة الصيام، والقيام، وليلة القدر كما ورد في الأحاديث الصحاح، لا يكون بلوغها غير كرامة أرادها الله تعالى لعبده، ومكسب عظيم قسمه الله تعالى له. 

 

ومن تلك المكاسب أيضاً: التدرب على مرافقة العبادات، ففي رمضان لا يكاد يخلو وقت من عبادة، بين صيام، وصلاة، وقيام، وزكاة، وتلاوة للقرآن... 

 

ومن تلك المكاسب أيضاً: رصيد عظيم من الحسنات أضافه المسلم إلى ميزانه، فشهر رمضان (من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه). 

 

الآن: ما الخطوات التي تمكننا من الحفاظ على مغانم رمضان، وأن نستفيد من دروس رمضان على مدى العام؟

التَّجليات التي طافت بنا في رمضان، والأنوار التي غمرتنا في رمضان، والرَّحمات التي نزلت علينا في رمضان،  نستطيع أن نحافظ عليها طيلة العام إذا اعتنينا بأمور أربعة...

نفحاتُ ليلة القدر، وبركاتُ ليالي العشر، وخيراتُ قرآن الفجر، نستطيع أن نبقيها معنا طيلة العام إذا راعينا أموراً أربعة...

المطلوب منَّا بعد رمضان أربعة أمور:

 

أوَّلاً- ترك الحرام:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ» (التِّرمذي).

شعارُ المسلم "تركُ الحرام"، والفارق بين المسلم المنضبط بالشَّرع وغيره، أن المنضبط بالشَّرع يحلِّلُ ويحرِّمُ، وغيرُهُ لا يحلِّلُ ولا يُحَرِّمُ.

حُكِيَ أن بِشراً الحافي -من كبار الأولياء- كان قبل توبته في داره مع رفاقه يشربون الخمر ويترنَّحون حول الغانيات وآلات اللَّهو والطَّرب، فمر بهم رجلٌ من الصَّالحين، فدقَّ الباب، فخرجت جارية، فسألها: صاحب هذه الدَّار حرٌّ أو عبدٌ؟ قالت: حرٌّ، قال: صدقتِ، لو كان عبداً لاستعمل أدب العبودية، ولم يخالف أوامر سيِّده!!!

سمع بشرٌ محاورتهما، فسارع إلى الباب حافياً حاسراً، وكان الرَّجل قد ولَّى، فقال للجارية: ويحك، من كلَّمكِ على الباب، فأخبرته بما جرى، فقال: أيَّ ناحية أخذ الرَّجل؟ قالت: كذا، فتبعَه بِشر حتَّى لحقَهُ، فقال له: يا سيِّدي أنت الذي قرعتَ بابي؟ قال: نعم، قال: أعِدْ عليَّ الكلام، قال: سألت الجارية: صاحب هذه الدَّار حرٌّ أو عبدٌ؟ قالت: حُرٌّ، قلتُ: صدقتِ، لو كان عبداً لاستعمل أدب العبودية، ولم يخالفْ أوامر سيِّده، فنزل بشر على الأرض ومرَّغَ خديه بالتُّراب، وقال: بل عبد، بل عبد، وتاب توبةً صادقةً.

إذا كنتَ عبداً فاستعمل أدب العبودية ولا تخالف أوامر سيِّدك، ودع الحرام وقد تركتَهُ في رمضان، وعاهدتَ ربَّك أن لا تعود إليه، فأوفِ بعهدك إنَّ العهد كان مسؤولاً، ووالله إنَّك لن تدع شيئاً لله إلا عَوَّضك الله خيراً منه في دينك ودنياك.

 

ثانياً- أداء الفرائض بإتقان:

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنَّ رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرأيتَ إذا صليتُ المكتوبةَ، وصمتُ رمضانَ، وأحْلَلْتُ الحلالَ، وحرَّمْتُ الحرامَ، ولم أزدْ على ذلك شيئاً، أدخلُ الجنَّة؟ قال: «نَعَم»، قال: والله لا أزيدُ على ذلك شيئاً(مسلم).

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، قَالَ: «تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ»، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا»(متفق عليه).

وفي الحديث القدسي: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ»(البخاري).

 

ثالثاً- الإكثار من النَّوافل:

في تتمة الحديث القدسي السَّابق، قال الله تعالى: «وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ»( البخاري). وأي شرف أعظم للعبد من أن يحبَّه ربه؟!

ينادى له في الكون: إنَّا نُحِبُّه ... فيسمع مَن في الكون أمرَ مُحِبِّنَا

قال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ» (البخاري).

لما حضَرتِ الوفاةُ الصَّحابيَّ الجليل معاذَ بن جبل رضي الله عنه -وكان معروفاً بالإكثار من النَّوافل-، استقبل القبلة وقال: مرحباً بالموت مرحباً، زائرٌ جاءَ بعد غيابٍ، وحبيبُ وَفَدَ على شوقٍ. ثمَّ جعل ينظر إلى السَّماء ويقول: اللَّهم إنَّك كنتَ تعلم أنِّي لم أكن أحب الدُّنيا وطول البقاء فيها لغرس الأشجار، وجري الأنهار، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة السَّاعات في القُربات، ومزاحمة العلماء بالرُّكب عند حِلَقِ الذِّكْرِ والعلم. ثمَّ فاضت روحُهُ رضي الله عنه.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه يوماً: «نِعْمَ الرَّجُلُ مُعَاذُ بنُ جَبَل»(الترمذي). وفي حديث آخر، قال له صلى الله عليه وسلم: «يَا مُعَاذُ، وَاللهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ»(أبو داود).

 

رابعاً: حضورُ مجالس العلم.

فمجلس العلم يُذَكِّرُك بالحلال والحرام، ومجلس العلم يدعوك إلى إتقان الفرائض، ومجلس العلم يرغِّبُك في أداء النَّوافل، ومجلسُ العلم يجمعك بالصَّالحين، ومجلسُ العلم يدنيك من الذَّاكرين، ومجلس العلم يقربك من ربِّ العالمين.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوْتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ تَعَالَى، وَيتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِيْنَةُ، وَغَشيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرهُمُ اللهُ فِيْمَنْ عِنْدَهُ»(مسلم).

وقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: «مَن سَلَكَ طريقاً يلتمسُ فيه علماً سَهَّلَ اللهُ له به طريقاً إلى الجنَّة»(مسلم).

وقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: «يَا أَبَا ذَرّ، لَأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّي مِائَةَ رَكْعَةً» (ابن ماجه).

 

السؤال الأن: ماذا عن أولئك الذين لم يحصلوا شيئاً في رمضان؟

الأصل أن المسرف على نفسه يقبل على الله في شهر الصيام، ونحن نرى كثيراً ممن أخطأ في العام تجده يتجهز للتوبة مع مطلع رمضان، وفعلاً بعضهم يبدأ وينوي، ويعينه الله تعالى، وآخرون يقفون عند الأماني.

أنا أقول: رمضان لا يغيرنا إلا إن أردنا، نحن من يتخذ قرار التغيير، ورمضان لا يحمل عصى سحرية تغير العاصي وتحول المذنب، وإنما نفحة يأخذ كل منها بقدره.

الغريب أن ترى بعض الإخوة الكرام يخطط للمعصية بعد رمضان، يتجهز لها، هذا إن لم يحدد موعداً مع أصدقائه لسهرة تحوي من الآثام ما تحوي من قبل رمضان، واتفقوا على الموعد بعد رمضان، هذا إن توقفوا طبعاً عن معاصيهم أصلاً.

 

فأقول لكل من أخطأ: المطلوب منك أمران :

ـ أولاً: أن تتوقف فوراً بعد الزلة .

ـ والثانية: أن لا تخطط للخطأ .

كلنا نعصِ الله لكن إياكم والتخطيط للمعصية أو التخطيط للعودة إليها، كذاك الشاب الذي يجهز نفسه للعودة للسهر الفاسد الذي كان عليه قبل رمضان، وتلك فتاة تخطط كيف ستخلع حجابها بعد جعلته ديدنها في رمضان وكانت قبله بدون حجاب .

لا تجعل طاعتك فقط رمضان فإن كنت كذلك فلست بمستفيد أبداً ، إن حصلت سلاماً في قلبك في رمضان وأتى الشيطان بعد رمضان وعدت لما كنت عليه قبل رمضان فقد ذهب كل شيء عندك ، أما إذا كنت بطبيعتك البشرية تخطئ فالله عز وجل غفور رحيم.

*    *    *