ميمات التربية خمسة:

أولاً- المنزل: وركناه الأب والأم، وللإخوة والأخوات أثر أيضاً في التربية.

ثانياً- المدرسة (أو المعلّم)، يساهم مساهمة نوعية في العملية التربوية، تكون إيجابية أحياناً، وسلبية في أحيان أخرى.

ثالثاً- المجتمع: وكان دوره التربوي سابقاً أعمق، وأكثر إيجابية، ولكن دوره اليوم أيضاً هو دور خطير، بأعرافه، وتقاليده، وأفكاره.

رابعاً- المسجد: وهو الذي يقوم بسقاية مجموعة من القيم والمعتقدات والأخلاق الإيجابية، ويعالج جملة من القضايا (هذا عندما يكون فاعلاً وله روح رسالية تتمثل بالقائمين عليه).

خامساً- مؤسسات المجتمع المدني: وهي التي تسهر ليل نهار على دعم رؤيتها، التي تكون إيجابية حيناً، وسلبية حيناً آخر، بحسب خلفياتها وأهدافها ومرجعياتها.

وفيما سبق من الميمات يندرج الصاحب، والإعلام، وهما من أخطر المؤثرات في العملية التربوية.

 

من هنا.. لا يكفي في التربية أن نزود أبناءنا بالقيم التربوية الراقية والمبادئ الدينية السامية ثم نغض الطرف عما يلحق بهم من أضرار ويهددهم من أخطار جراء اختلاطهم بمجتمعهم وأصدقائهم وجيرانهم وأفراد أسرتهم الكبيرة، فالعملية التربوية تشبه الزراعة إلى حد كبير؛ إذ تحتاج الثمرة الجيدة إلى البذرة الجيدة (وهنا يكون اختيار الزوجين)، ثم توضع البذرة الجيدة في تربة جيدة (وهي البيئة المحيطة أسرياً ومدرسياً ومجتمعياً)، ويتم سقايتها بالماء المناسب (وهو المال الحلال)، وتزويدها بالأسمدة الجيدة (وهي القيم والمبادئ التربوية)، وإزالة الأعشاب الضارة ومعالجة آفات التربة (وهي ما يلحق الطفل من آفات تأتيه من المجتمع والإعلام والأصدقاء والأسرة الكبيرة والجيران...).

 

واندماج الابن بالمجتمع يحتاج أبوين واعيين يُحسنان التقدير، ويتسلحان بالحذر والحيطة، ولا يُلقيان الحبل على الغارب بذرائع واهية يعرفان زيغها بعد أن يقع "الفاس في الراس" حين يتعرض الولد للكوارث السلوكية والتحرشات الجنسية والانحرافات الأخلاقية... وتمثل الأسرة الكبيرة الخطر الأكبر على الولد في هذا الجانب حسب الإحصاءات والدراسات.

 

كم رأينا في أسرة واحدة احترف الأب والأم فيها أداء الواجب في العملية التربوية، ومع ذلك نرى في الأسرة الواحدة ابناً أنجح ما يكون، وابناً أفشل ما يكون، ابناً في قمة الأخلاق، وابناً في قاع الرذيلة، مع أن الولدين تربيا في نفس البيت، ونفس البيئة، مع نفس الأب والأم... ويبقى السؤال: لماذا؟!

 

ببساطة: لأن الأب والأم والإخوة والأخوات، لو قاموا بدورهم على أتم وجه، فقد أدوا رسالة مهمة وحرسوا ثغراً خطيراً، لكن المهمة لم تنتهِ بعد، فالمدرسة، والمجتمع، والإعلام والصاحب... لا يمكن منع وصول أثرها للابن، فإن كانت هذه التغذية إيجابية لزم دعمها، وإن كانت تغذية سلبية لزم تصفيتها وتنقية ذهن المتربي منها، وإلا أفسدت كل جهد الأسرة الذي بذلته في التربية إلا ما رحم الله.

 

ومن هنا أرى أن الولد اليوم لا ينبغي له - حتى يكون اجتماعياً - أن يخرج إلى الشارع ويخالط أبناء الطريق بغير مرافقة والديّة، بل يجب أن يخالط رفقة مدروسة ويتم اصطحابه إلى بيئات جيدة تحت إشراف والديه، أو ينخرط في نشاطات يشرف عليها تربويون موثوقون، فينخرط من خلالها بأفضل النماذج المجتمعية التي تدفعه نحو الأفضل، وتخلق فيه التنافس مع الأفضل، ولا تهدم له جوانب متميزة سهرنا الليل ونحن نزرعها وننميها فيه.

 

ومن الخلل أن أترك ابني للأمراض الاجتماعية والتربوية بحجة ضرورة أن يتعرف على المجتمع في صورته الحقيقية، ليكتسب المناعة اللازمة، فما هكذا يكون الأمر، ولا هكذا يفعل مَن وليَ أمرَ ولده، وملأته الشفقة عليه والحرص على مصلحته.

 

وإنك لتعجب من أب وأم يصونان ابنهما من العدوى الصحية، ويحذران أن يتناول ابنهما الطعام غير الصحي، ويفزعان إذا اقترب من الشارع خوفاً عليه من السيارات، أو عبث بمادة خطرة... ثم يغضان الطرف عنه حتى يختلط ببيئة اجتماعية عشوائية تضره أكثر مما تنفعه.

 

رأينا الشوارع ماذا فعلت بأجيال، وعرفنا هذا الاختلاط المجتمعي إلى أين أوصل أولادنا.. والواقع بيّن، وهذا رأي، ولكل منا زاويته وآراؤه وتجاربه ورؤاه في التربية.