مقدمة: الجمال في الإسلام:

{الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 46]، سمى الله الأبناء زينة، وأحاطنا بالجمال والزينة في الكون، ولفت نظرنا في القرآن إلى ذلك الجمال في السماوات والأرض...

في السماء لفت نظرنا إلى الشمس والقمر، فقال: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا} [الفرقان: 61]

وقال في النجوم: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا} [ق: 6]، {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} [الحجر: 16]، {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} [الصافات: 6]، {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} [الملك: 5]...

وفي الأرض لفت نظرنا إلى جمال النبات والشجر، فقال: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ} [النمل: 60]، وقال: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج: 5].

 

 

وكذلك لفت نظرنا إلى جمال الحيوان، فقال في الأنعام: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} [النحل: 6]، هذا الجمال لكم؛ لتتمتعوا فيه.

وقال: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} ثم قال: {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 8] أي: مما تركبون وتتزينون، لاحظ اليوم السيارات والطائرات والسفن وكل المركبات تتمايز بتصاميمها وألوانها وأضوائها المتألقة، {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}.

وكذلك جمال الطيور ونحوها {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ} [الملك: 19]

 

 

وكذلك لفت نظرنا إلى جمال الإنسان، فقال: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4]، {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [غافر: 64]، {خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} [الانفطار: 7]

وكذلك لفت نظرنا إلى جمال الحلي والزينة واللباس، فقال: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} [النحل: 14]، {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} [الأعراف: 32]، وقال: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31]، وهنا تستوقفك الآيات التي نسبت الزينة وأضافتها لله تشريفاً وتكريماً {زِينَةَ اللَّهِ}، ونسبتها للإنسان ملكاً {خُذُوا زِينَتَكُمْ}.

 

فلفت القرآن نظرنا إلى شيء ربما لا يهتم الإنسان - عادة - به ولا يلتفت إليه، فلفتنا إلى جمال الكون، إلى جمال النجوم في السماء، والنبات والحيوان والإنسان والحلي في الأرض، لنرى ذلك حياً، وإن كانت بعض الفنون تهتم بتصوير ذلك رسماً أو تصويراً، لكن القرآن دعانا دعوة عامة لمشاهدة ذلك واقعاً طبيعياً ومتابعته حياً متحركاً، لنرى من ورائه يد الله {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [السجدة: 7]، {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88]، {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14].

 

 

 

يقول المنفلوطي: (هذا الجمال المترقرق في سماء الكون وأرضه، وناطقه وصامته، ومتحركه وساكنه، إنما هو مرآة نقية صافية ننظر فيها فنرى وجه الله الكريم مشرقاً متلألئاً، فنخر بين يديه ساجدين، ثم نصغي إليه لنستمع وحيه فنسمعه يقول لنا: أيها الناس، إنما خلق الجمال متعة لكم فتمتعوا به) [العبرات للمنفلوطي (ص: 37)]

ويكفي أن رسالة الله لنا ومعجزة نبينا الخالدة هي تحفة فنية جمالية أدبية بيانية رائعة، فالقرآن الكريم ثالث الفنون التي تذوقها العرب بعد الشعر والنثر، وندبنا النبي أن نزينه بأصواتنا ونحسن ترتيله وتجويده وتحبيره، ونستمع إلى جرسه ونظمه وإيقاعه ووقعه بآذان قلوبنا، لنراقب ذلك الإعجاز التأثيري لذلك الكتاب البديع فيأخذنا جماله (لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود).

 

 

ما هو الفن؟

الفن: هو أي نشاط أو إنتاج يولد أثراً جمالياً، أو هو الشعور بالجمال والتعبير عنه، فالفن بأنواعه - المسموع كالغناء والموسيقى والعزف ، أو المرئي كالتصوير والزخرفة والرسم، أو المقروء كالرواية والشعر والنثر، أو الحركي كاللعب والتمثيل والرقص - هو مصنع الجمال، ويزيد جماله ويظهر رونقه إن كان مضبوطاً بضوابط الشريعة مقتصراً على المباح منها، محدوداً بحدود العقل والمنطق.

 

 

والفن لغة عالمية يفهمها البشر، وإحساس لا يمكن للكائن البشري السوي أن يعيش بغيره، ولئن كان الشاعر يوصَف بأنه يرى الجمال في كل شيء، فإني أظن كل إنسان سوي يرى الجمال ويتذوق الفن، وخاصة المسلم الذي ينظر خلقاً بديعاً لرب بديع، ويتحمل ضنك الدنيا لينعم بالجنة التي زيّنها الله لأهلها وأعدها لهم وقرّبها ووصف كل ذلك لنا.

 

ماذا عن حكم الموسيقى:

باختصار: فطر الله الإنسان على حب الجمال، وتذوق الجمال، والإسلام هو دين الفطرة، لم يأتِ ليخالف فطرة الإنسان، إنما أقرها وشرع ما يسمو بها، ولم يُبعث الأنبياء لمحو الفطر ولا طمسها، إنما لتهذيبها.

 

 

ومن هنا نعرف أن موقف الإسلام من الفن هو موقف التهذيب لا موقف الإلغاء، لذلك فالغناء المجرّد من المخالفات الشرعية (كفحش القول واستثارة الغرائز والميوعة في الأداء وكشف العورات...) إذا خلا الغناء من ذلك فلا حرج فيه، أما الآلات الموسيقية فلا تلحقها أحكام، إنما يلحق الآلة حكم ما تُستعمل فيه، وما يرافقها من الأقوال أو الأفعال.

 

الفن والفطرة:

الطفل منذ ساعاته الأولى ينام على أنغام أمه، ولمساتها على رأسه، ودقاتها اللطيفة على ظهره وتربيْتها كتفه.

ثم في المراحل الأولى للتعليم لعله لا يدخل عقل الطفل شيء يخامر ذاكرته بثبات تلك الأراجيز والأهازيج التي تحكي قصصاً وتضيف قيَماً أخلاقية واجتماعية ووطنية عظيمة، وكذلك لا نرى الطفل يستمتع بشيء يشبه متعته بالغناء، والرسم، والتلوين..

 

نعم، أطفالنا مختلفون فطرة في عشق الفن والجمال، والقدرة على تذوقه ومراعاته، لكن هذا لا يعني انعدام ذلك الحس لديهم، فالحس الفني والجمالي عند الطفل فطرة، وشيء يمكن تطويره وتربيته، وإن مساعدة الطفل على تذوق الجمال هو مساعدة له أن يعيش سعيداً، فواحد من تعريفات السعادة: أن تلامس الجمال، أو الكمال، أو النوال، وما أرق تلك السعادة حين تلامس (الجمال المائل في الشاطئ والأمواج، والأخاديد والوديان، والغابات والحجرات، والكهوف والأغوار، والغيوم والسحب، والأضواء في تشكلها وتلونها، والظلال في نحولها وانتقالها، وفي رءوس الجبال اللاصقة بجلدة السماء كأنها بعض سحبها، وفي قطع الصخور المبعثرة على جوانب الغدران كأنها بعض أمواجها، وفي تلك المعركة التي تدور في كل يوم مرتين بين جيشي الأنوار والظلمات؛ فينتصر في صدر النهار أولهما ثم يدال في آخره لثانيهما) [العبرات].

 

نقطة مهمة: هناك من يعتقد أن الفن بأنواعه شيء ثانوي يهتم له الفاشلون، تطوى علامته في المدرسة، وتخصّص له الأوقات الضائعة، وهناك من يرى أنه شيء يخصّ الطبقة الأرستقراطية والمخملية في المجتمع، على الجهة المقابلة هناك من يزيد في تضخيمه وإعطائه الوقت والجهد والاهتمام، فيوقف ابنه لذلك الفن وينذره له، ويستفرغ له جهده ووقته وماله، فهذا إفراط وذاك تفريط، ولا نريد لأبنائنا أن يذوبوا في الفنون، ويعيشوا لأجلها، ولا أن يعيشوا من دونها جفاء وجفافاً تتصحر منها نفوسهم ووجدانهم، إنما المطلوب التوازن والاعتدال والترويح عن القلوب ساعة وساعة (فإن القلوب إذا كلّت عميت).

 

 

ونحن نرى اليوم مشكلة إهمال المواهب كيف تنعكس عنفاً وجفافاً وغلظة وشدة، والعاقل من وضع الأمور في نصابها دون تهويل ولا تهوين، ولا تغويل ولا تقليل، دون مساس بالقيم ولا إضاعة لبقية الحقوق الحياتية الأخرى، (فإن المنبتّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى).

 

أهمية التربية الفنية:

  1. التربية الجمالية الفنية تشجع الطفل على الإبداع، الابتكار.
  2. تساعد الطفل على قراءة أفكاره وخياله، والتعبير عن مكنوناته، والثقة بنفسه.
  3. التربية الفنية تعين الطفل على تذوق الجمال في الحياة ليسعد به وينشرح له.
  4. تساعد الطفل على الاستمتاع المباح والتوازن النفسي، والذي يقع في قاعدة الهرم - هرم ماسلو - في الحاجات الفيزيولوجية الضرورية (الحاجة إلى التوازن)، ويشمل التوازن النفسي والجسدي، والذي يلعب فيه الترويح عن النفس وتذوق الفن ومراقبة الجمال دوراً مهماً، فلئن كانت الثقافة تغذي العقل، والرياضة تغذي الجسد، والعبادة تغذي الروح، والحب يغذي القلب، فالجمال والفن يغذي النفس والوجدان، ودور المربي أن يسعى إلى إكمال من يربيه وإتمامه، فالتربية في أخصر معانيها (بلوغ الشيء تمامه بالتدريج)، التمام مع مراعاة التوازن، دون أن يطغى شيء على شيء.
  5. التربية الفنية تساهم في دمج الطفل في مجتمعه، من خلال النشاطات الفنية الجماعية، وكذلك من خلال الاستماع للنقد ممن يرى أو يسمع فنه أو يشاركه الاستماع أو المتابعة.
  6. تدربه على القاعدة الحياتية المهمة (لا نتيجة بلا جهد)، فالفن يعتبر مادة تدريبية سلسلة ومسلية تحتاج إلى دأب وتمرين للحصول على نتائج جيدة.
  7. الفن يعتبر مساحة جيدة للتنفيس عن الطفل، فاليوم هناك تخصصات تربوية تشخص مشكلات الطفل النفسية والتربوية من خلال الرسم، فالطفل عندما يرسم يلبي حاجته للحركة، والتقدير، وتحقيق الذات، ويعبر من خلاله عما يخالجه من مشاعر ويعانيه من مشكلات أو اضطرابات بشكل لا واعي، فالطفل - مثلاً - إذا أراد إبراز شيء ما فإنه يقوم بتضخيمه وتكبيره عند رسمه، إبرازاً له، في حين أنه يحذف أو يصغر ما لا يراه مهماً.

 

 

ممارسات عملية للتربية الجمالية والفنية:

  1. الفت نظر أبنائك إلى جمال الكون، والمخلوقات، والتصرفات التي تتسم بالذوق...
  2. ابحث لأولادك عن أناشيد ومقاطع فنية وشعرية وفيلمية هادفة ونافعة وماتعة، يسمعونها في السيارة أو يشاهدونها البيت.
  3. علم أبناءك انتقاء العبارات الأفضل، والأكثر أدباً ولباقة، وبين لهم الفروق بين الكلمات وضرورة التلميح لما يستقذره البشر.
  4. علّم ولدك أن ينتقي طيب الطعام {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا} [الكهف: 19]، ويعتني بنظافة طبق طعامه، ومكان جلوسه، ويغلق فمه عند الأكل، ويحافظ على نظافة يديه وحول فمه.
  5. علّم ولدك أن يبقى نظيفاً، وألا يلبس إلا نظيفاً، مرتباً، يحافظ على طيب رائحته، ويرجل شعره.
  6. علّم ولدك أن يرتب فراشه، ويحافظ على رتابة ونظافة أدواته وأشيائه وألعابه.
  7. حاول أن تراعي الرتابة في أثاث البيت وألوانه، ولباس الأولاد، هذا ينمي الحس الجمالي عند الطفل، وقد سمعت أن بعض المصممين العالميين الذين يكتشف نبوغهم الفني صغاراً أنهم يحاطون من الصغر ببيئة ليس فيها ملوثات بصرية تؤذي ذائقتهم الفنية.