مقدمة:

البر لا يبلى، وهو مفتاح التوفيق، ولن تجد باراً بوالده إلا وقد وفقه الله تعالى، ففتح له باب الجنَّة على مصراعيه في الدنيا قبل الآخرة، كيف لا؛ والأب والأم أفضل أبواب الجنة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتَ فَأَضِعْ ذَلِكَ البَابَ أو احْفَظْهُ» [الترمذي وابن حبان]

وفي الحديث: «الزم رجلها فثم الجنة» [ابن ماجه]

 

وفي القرآن الكريم قصص بديعة تحدثت عن البر، كقصة إبراهيم عليه السلام مع أبيه، وقصة إسماعيل مع إبراهيم عليهما السلام؛ حيث ترى البر في أبدع صوره، {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات: 102].

 

وفي السيرة ثمة أنموذج قريب؛ شاب يطيع أباه في المسير إلى حرب لم تتضح أمامه، ورآها فتنة، لكن أباه لم يزل به حتى سار معه، فقتل شاباً يوم الجمل، هذا الشاب هو محمد بن طلحة بن عبيد الله، القرشي التيمي، حمله أبوه يوم ولد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح رأسه، وسماه محمداً، ونحله كنيته، فكان يكنى أبا القاسم. وكان يقال له: السَّجَّاد، وقيل: ناسك قريش، لكثرة صلاته، وشدة اجتهاده في العبادة.

لم يجد محمد بن طلحة بداً من طاعة والده يوم معركة الجمل، لكنه أراد سلامة يده من دماء المسلمين، فتقدم يوم الجمل، فأخذ بخطام الجمل وعائشة عليه، فقال لها: ما ترين يا أمَّه؟ قالت: أرى أن تكون خير ابني آدم! فلم يزل كافَّاً، وجعل كلما حمل عليه رجل، قال: نشدتك بحاميم، حتى شد عليه رجل فقتله.

وانفرج الناس يوم الجمل، فسار عليّ من ليلته والحسن، وعمار بن ياسر، وغيرهم، يطوفون في القتلى معهم النيران، فأبصره الحسن بن علي رضي الله عنه قتيلاً مكبوباً على وجهه، فردَّه على قفاه، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، هذا فرع قريش والله، فقال أبوه: من هو يا بني؟ قال: محمد بن طلحة، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، إن كان ما علمته لشاباً صالحاً، ثم قعد كئيباً حزيناً، ثم قال: يا حسن، السجاد - وربِّ الكعبة - قتيل كما ترى، أبوه صرعه هذا المصرع، وقال: لولا أبوه وبرُّه به ما خرج ذلك المخرج لورعه وفضله! [الطبقات الكبرى، أسد الغابة].

 

هناك أبناء استماتوا في بر والديهم، وهناك من تفنَّن بذلك حتى حرَّك الله له الصخر بين يديه كما جاء في حديث الثلاثة أصحاب الغار.

ولعلي لا أجد في القرآن تعبيراً أبلغ في البر من قوله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الإسراء: 24]، يتعبد الابن ربه بالتذلل والخضوع والرفق لوالديه، فما بالك بالنزول على رغباتهم والائتمار بأوامرهم؟!

إن العلاقة بين الأب والولد لا تقوم على الحقوق والواجبات، ولا على الندية، وإنما تقوم على الإحسان {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23]، والإحسان مرتبة فوق العدل، لها من الشفافية درجة تؤذيها نفخة {أُفٍّ} [الإسراء: 23]!

 

والسؤال الآن: كيف تربي ولدك على برك؟

 

هذه عشر خطوات تعين بها ولدك على برك:

أولاً - أحسن اختيار أمِّه:

فالمرأة تربة الثَّمرة، والنساء يلدن أشباه إخوانهن وأخواتهن، قال رسول الله ﷺ : «تخيَّروا لنُطَفِكُم، فانكِحوا الأكفاء وأنكِحوا إليهم» [ابن ماجه والحاكم].

وكان عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه يقول لأولاده: (يا بَنيّ، الناكحُ مُغْتَرِس، فلينظر امرؤٌ حيث يضع غَرْسَه، والعِرق السّوء قلَّ ما يُنجِب إلا مثلَه). [البيان والتبيين للجاحظ]

وقد روي: «حق الولد على والده: أن يحسِن اسمَه، ويحسن مرضعَه، ويحسن أدبَه» [البيهقيّ وابن شبة].

وكذلك الفتاة التي تنشد أولاداً صالحين بررة، لا يمكنها بلوغ ذلك إذا نشدته من أب على غير حال الصلاح والبر!

 

يروى أن رجلاً جاء إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشكو إليه عقوق ابنه، فأحضر عمر الوالد وابنَه، وأنَّب الابن على عقوقه لأبيه، ونسيانه لحقوقه، فقال الولد: يا أمير المؤمنين، أليس للولد حقوق على أبيه؟ قال: بلى، قال: فما هي يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: أن ينتقي أمه، ويحسن اسمه، ويعلمه الكتاب -أي القرآن-، فقال الولد: يا أمير المؤمنين إن أبي لم يفعل شيئاً من ذلك؛ أمَّا أمي فإنها زنجية كانت لمجوسي، وقد سماني جُعلاً -أي خنفساء-، ولم يعلِّمني من الكتاب حرفاً واحداً! فالتفت عمر إلى الرجل وقال له: جئتَ إليَّ تشكو عقوق ابنك، وقد عققتَه قبل أن يعقَّك، وأسأتَ إليه قبل أن يسيءَ إليك؟!([1]).

 

ثانياً - غرس قيم البرِّ:

ومن ذلك: قيمة الرحمة بالكبير، واحترامه، وتوقيره، واحتماله، وتقديمه...، ويتم ذلك من خلال القصص، ولفت النظر إلى المشاهدات والوقائع، والإسقاطات.

هناك قاعدة تقول: (لا معصية بلا تكليف)، فلا يمكن أن نصف الولد بالعقوق طالما أننا لم نزوده بالقيم الصحيحة اللازمة للبرّ، فلو نشأ في بيت ليس فيه تعليم ولا توجيه ولا أمر ولا نهي ولا إحسان... فكيف يضبط تعامله مع الوالدين في إطار البر؟!

ومع العمل على غرس قيم البر، يتم العمل على تنقية القيم التي تخالف البر، كالفردية، وازدراء الكبير، ونحو ذلك.

لكن هذه القيم تحتاج إلى تعليم، فالتربية اليوم فن وعلم، وليست مجرد ردود أفعال وتصرفات ارتجالية!

 

التربية قسمان:

تربية الإيجاب: وتكون بنقل القيم السليمة والمعارف الصحيحة من الآباء إلى الأبناء، مع التدريب على المهارات النافعة والسلوكات الجيدة...

وتربية السلب: وتكون بمنع انتقال القيم المشوَّهة والمعارف المغلوطة والمهارات المؤذية والسلوكات السيئة.. من الآباء والمجتمع والمدرسة والإعلام والأصحاب... إلى الأبناء.

مع أنَّ 85% من الآباء يعيدون مع أبنائهم نفس السيناريو الذي نشؤوا عليه!

فمن التربية: أن يكف الأب والأم شرَّهما عن ابنهما..

يكفّون عنه شرَّ فكرة خاطئة اقتنعوا بها، أو نشَؤوا عليها، فنشَّؤوا أولادهم عليها قبل أن يمحّصوها..

شرَّ قرار اتخذوه قبل أن يدرسوه..

وغضب فجَّروه ولم يكظموه..

وكلمة ما كان ينبغي للولد أن يسمعها..

وعاطفة أهملوها أو أطلقوها فلم يوظفوها ولم يديروها..

يكفّون شرَّ انشغال سرقَهم من أولادهم، فأضاعوهم وهم يتوهمون أنهم إنما يعملون لأجلهم...

فمن التوفيق أن ينتبهوا إلى ذلك قبل أن يكبر الأولاد، فيحللون تلك العقد النفسية التي زرعها فيهم أهلهم عند تربيتهم.. فيدعو طالحهم على أبويه ويستغفر صالحهم لهما.. ويقول بعضهم: لو أجارني الله من شرِّ أبويَّ لكنت أفضل من ذلك.

قال ابن القيم في تحفة المودود بأحكام المولود: (أكثر الأولاد إنما جاء فسادُهم من قبل الآباء, وإهمالهم لهم, فأضاعوهم صغاراً، فلم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءهم كباراً).

 

ثالثاً - كن قدوتَهم:

أوصى الشافعي أبا عبد الصمد مؤدِّب أولاد الرشيد، فقال له: (ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح أولاد أمير المؤمنين إصلاحُك نفسَك، فإن أعينهم معقودة بعينك، فالحسَن عندَهم ما تستحسنه، والقبيح عندهم ما تركتَه)([2]).

 

وهنا نتحدث عن القدوة في محورين:

- المحور الأول: رعاية كل من الزوجين لأبويه أمام الأولاد، وبسط جناح الذلِّ لوالديه، ولفت نظر الأولاد إليه، حتى يروا أنموذجاً عن البر أمامهم، فيقتدوا ويتعلموا بالفعل مع القول.

- المحور الثاني: إحسان كلٍّ من الزوجين للآخر أمام الأولاد، فالأب هو معلم أولاده؛ يعلّمهم كيف يتعاملون مع أمّهم، والأم -كذلك- معلمة لأولادها، فإن احترمت زوجَها، وكلِمتَه، وقراره، وغيبته، وهيبته... كان أولادها على شاكلتها، وإن سبَّت ولدها بأبيه حين تغضب، وكذبت على الأب على مرأى الولد، فإنها بذلك تعطي ولدها درساً بالطريقة التي عليه أن يعامل بها أباه، وكم من ولد أبغضَ أباه وازدراه وأساء الأدب معه بسبب بغض أم الولد لزوجها وازدرائها له، والعكس بالعكس.

 

وكذلك الزوج: جدير به أن يُحسن إلى زوجته، ويحترم وجودها، ويقدِّر تعبها، ويثني على صنيعها، ويحترم رأيها وكرامتها وقراراتها أمام أولاده... يعلِّم - بذلك - أولادَه الطريقة الواجب عليهم أن يتبعوها مع أمِّهم، وكم من شاب أفسدَه أبوه، حين شبَّ فعامل أمَّه بتلك الفظاظة والغلاظة الرديئة التي ألفَ والده يتعامل بها معها!

 

رابعاً - برَّ والديك يبرك أولادك:

فالجزاء من جنس العمل، و{هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن: 60].

ورد في الأثر: (بروا آباءكم تبركم أبناؤكم) [الطبراني والحاكم]

فازرع خيراً تحصد برَّاً، وارسم طريق أولادك بتعاملك مع والديك، فالعين بالعين، والسن بالسنِّ.

 

خامساً - دربهم على برِّك:

والمطلوب هنا التدريب على البر، وعلى السلوكات الواجب قيامهم بها عندما يكبرون، ومن الجيد أن يكون بالتوافق بين الزوجين؛ بحيث يدفع كل منهما الأولاد إلى برِّ الآخر، ومن ذلك:

  • انتظار والديهم على الطعام، وعدم البدء قبلهما.
  • أن تطلب منهم المساعدة، ولو كنت بغنىً عنهم.
  • أن لا يجلسوا قبلك، ولا يسيروا أمامك؛ احتراماً.
  • أن تدربهم على احترامك، وتوقيرك، وتقديمك، بشكل مباشر أو غير مباشر.
  • دربهم على الاعتذار إن أخطؤوا، واقبل اعتذارهم.
  • أحسن إلى من بادر بالاهتمام بك والمبادرة إليك واشكره وكافئه.

روى الطبراني في المعجم الأوسط (4/ 267) عن عائشة، قالت: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل، ومعه شيخ، فقال ﷺ : «يا فلان، من هذا معكم؟» قال: أبي، قال ﷺ : «فلا تمش أمامه، ولا تجلس قبله، ولا تدعه باسمه، ولا تستسب له».

 

سادساً - الدعاء للأبناء:

وقد علَّمنا القرآن الدعاء في قوله تعالى: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74]

وكان سيدنا إبراهيم عليه السلام يدعو بصلاح أولاده: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات: 100]

وكان سيدنا زكريا يدعو أيضاً فيقول: {رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} [آل عمران: 38] .

 

والغريب أن يستبدل الآباء بالدعاء لأولادهم الدعاء والغضب عليهم! فإن جريرة ذلك عائدة على والديه. قال رسول الله ﷺ : «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم». [مسلم]

فقد توافق الدعوة ساعة إجابة، فيستجيب الله تعالى، فيخسر الوالدان والولد جميعاً.  

 

سابعاً - أتقن لغة الرفق

كن رفيقاً مع أولادك، ورفيقاً لأولادك.. لا تكلفهم ما لا يطيقون فيملوا حياتك، ويتمنوا مماتك، ويألفوا مخالفة أمرك!

أرسل معاوية إلى الأحنف بن قيس، فلما وصل إليه قال له: يا أبا بحر، ما تقول في الولد؟ قال: يا أمير المؤمنين، ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن لهم أرض ذليلة، وسماء ظليلة، وبهم نصول على كل جليلة، فإن طلبوا فأعطِهم، وإن غضبوا فأرضِهم، يمنحوك ودَّهم، ويحبوك جهدهم، ولا تكن عليهم ثقلاً ثقيلاً، فيملُّوا حياتك، ويوَدوا وفاتك، ويكرهوا قربك. [إحياء علوم الدين]

 

ثامناً - العدل بين الأبناء

يقول عليه الصلاة والسلام: «اعدلوا بين أولادكم في النّحَل كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البرِّ واللطف» [ابن حبان والبيهقي ]، وكأن في هذا الحديث إشارة إلى أن التسوية في العطاء تدفع الأبناء جميعاً إلى البرِّ، فالأب الذي يفضِّل ولداً على ولد يوغر صدور الأبناء فيما بينهم، وقد يترك المفضول برَّ أبيه حين يكبر، ويقول في نفسه: فليأتِ من أكل خيرَ أبينا شاباً وليبرّه اليوم!

 

تاسعاً - لا تحرمهم حقوقهم:

بعض الآباء يحرم ابنه المعونة والنفقة، ويترك الابن يعاني تكاليف الدراسة والحياة والزواج وحده؛ بحجة التدريب على الاعتماد على النفس والعصامية التي يرغبها، ويجعل بعض الآباء أنفسهم أنموذجاً يحتذى في العصامية والاعتماد على النفس، مع إغفال الفروق الكثيرة مادياً واجتماعياً بينهم وبين أبنائهم، وهذا ما يجعل الابن يحمل على والده في صدره، ولعل ذلك يدفعه إلى عقوقه والتقصير في برّه.

جاء في الحديث: «كفى بالمرء إثماً أنْ يضيّع من يَقُوت» [أبو داود]

 

عاشراً - أنفق عليهم حلالاً:

فالمال الحرام يُفسد الولد، ومَثَلُ الذي ينفق على أولاده مثلُ الذي يسقي زرعَه، فمن سقى زرعَه ماءً طيباً أعطاه ثمراً طيباً، ومن سقى الزرعَ ماء آسناً ساء ثمرُه، وفَسَدَ زرْعُه.

محمدُ بن إسماعيل البخاري، صاحب أصحِّ كتاب بعد القرآن الكريم عند المسلمين، المعروفِ بـ (صحيح البخاري)، من وفيات 256 هـ، ولعل محمداً هذا ثمرةٌ من ثمار أبيه، فعندما نزلت بإسماعيل سكرات الموت جعلت ابنته تبكي، فقال: يا بنية، لمَ تبكين؟ فو الله ما أدخلتُ إلى جوفي ولا إلى جوفكم لقمةَ حرام.

 

ختاماً.. هذه عشر خطوات تعين بها ولدك على برك:

  • أولاً - أحسن اختيار أمِّه.
  • ثانياً - غرس قيم البرِّ.
  • ثالثاً - كن قدوتَهم.
  • رابعاً - برَّ والديك يبرك أولادك.
  • خامساً - دربهم على برِّك.
  • سادساً - الدعاء للأبناء.
  • سابعاً - أتقن لغة الرفق.
  • ثامناً - العدل بين الأبناء.
  • تاسعاً - لا تحرمهم حقوقهم.
  • عاشراً - أنفق عليهم حلالاً.

لكن كل ما سبق لا يُعتبر كافياً لوحده، فهناك بيوت قائمة على احترام هذه المبادئ العشرة، والأب والأم احترفوا أداء الواجب في العملية التربوية، ومع ذلك نرى في الأسرة الواحدة ابن عاق، وآخر بارّ، ابن أنجح ما يكون، وابن أفشل ما يكون، ابن في قمة الأخلاق، وابن في قاع الرذيلة، مع أن الولدين تربيا في نفس البيت، ونفس البيئة، مع نفس الأب والأم... ويبقى السؤال: لماذا؟!

وللإجابة على ذلك من المهم أن نبدأ بمقدمة هامة، توضح أبعاد التربية.

يقول بعض المتخصصين: ميمات التربية خمسة (خمس كلمات تبدأ بحرف الميم):

أولاً- المنزل: وركناه الأب والأم، وللإخوة والأخوات أثر أيضاً في التربية.

ثانياً- المدرسة (أو المعلّم)، يساهم مساهمة نوعية في العملية التربوية، تكون إيجابية أحياناً، وسلبية في أحيان أخرى.

ثالثاً- المجتمع: وكان دوره التربوي سابقاً أعمق، وأكثر إيجابية، ولكن دوره اليوم أيضاً هو دور خطير، بأعرافه، وتقاليده، وأفراده.

رابعاً- المسجد: وهو الذي يقوم بسقاية مجموعة من القيم والمعتقدات والأخلاق الإيجابية، ويعالج جملة من القضايا (هذا عندما يكون فاعلاً وله روح رسالية تتمثل بالقائمين عليه).

خامساً- مؤسسات المجتمع المدني: وهي التي تسهر ليل نهار على دعم رؤيتها، التي تكون إيجابية حيناً، وسلبية حيناً آخر، بحسب خلفياتها وأهدافها ومرجعياتها.

وفيما سبق من الميمات يندرج الصاحب، والإعلام، وهما من أخطر المؤثرات في العملية التربوية.

مما تقدّم: يتبيّن أن الأب والأم والإخوة والأخوات، لو قاموا بدورهم على أتم وجه، فقد أدوا رسالة مهمة وحرسوا ثغراً خطيراً، لكن المهمة لم تنتهِ بعد، فالميمات الأربعة البقية لا يمكن منع وصولها للابن لتغذي عنده بقية الأركان فيه، فإن كانت هذه التغذية إيجابية لزم دعمها، وإن كانت تغذية سلبية لزم تصفيتها وتنقية ذهن المتربي منها، وإلا أفسدت كل جهد الأسرة الذي بذلته في التربية إلا ما رحم الله، ولهذا من تمام دور المربي أن يزرع بذور تربيته، ويراقب ما يرد على المتربي عنده من أفكار وسلوكات يستقيها من المدرسة، والمجتمع، والمسجد، ومؤسسات المجتمع المدني.

 

والحمد لله رب العالمين

 


([1]) ذَكَرَها الدكتور عبد الله ناصح علوان في تربية الأولاد في الإسلام، [1/244]، ولم أجدها مسنَدة.

([2]) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي [4/306]، وابن الجوزي في صفة الصفوة [1/437].