من ضيع الإسلام؟

من ضيع الإسلام؟
آخر تحديث
نوفمبر 27, 2024
أبريل 17, 2026

في نقاشاتنا اليومية نقف على كثير من قضايانا المزعجة والمخجلة، ونرجعها آخر الحديث إلى سبب واحد: البُعد عن الله، ونرى حلَّها في أمر واحد: الرجوع إلى الله.

فهل صحيح أن “البعد عن الله” هو المشكل الأصلي، و”الرجوع إلى الله” هو الحل الجذري فعلاً!

بدايةً.. من الجيد أن يكون الإنسان إيجابياً يتسلَّح بالأمل وينظر للنصف المليء من الكأس، ويتفاءل الخير ولا يعمّم الشرَّ، و«إذا قال الرجل: “هلَكَ الناس” فهو أهلَكُهم – أو: أهلَكَهم -» [مسلم]، لكن حين يهدِّده مرضٌ عضال ويستشري الداء في بدنه ويؤذِن بموته؛ فلا بدَّ من وضوح الرؤية وتشخيص الدَّاء وتحديد الدواء والحزم بالتعامل مع الأمر.

اليوم.. هناك ظاهرة يتردَّد صداها في الردهات العلمية تُسمى: ظاهرة انحسار – أو تراجع – التديُّن في العالم عموماً، وفي المجتمعات المسلمة خصوصاً، وصارت هذه القضية ظاهرة يمكن ملاحظتها في السنوات العشر الأخيرة، وغدت مادة للدراسة والبحث والتصنيف.

في ذات الوقت هناك ترويج لفكرة أن الإسلام ينتشر ويتنامى، وأن الشباب يتديَّن، وأن حركة التديُّن في ازدهار وتطور، تشهد التحاق نماذج نوعية، يقدَّم لذلك بعض الشواهد التخديرية، ليحافظ الدعاة على إيقاعهم، ويشعروا بالنشوة الخلَّبية، في حين أن سرطان الإلحاد والعلمانية والفسق والفجور يأكل جسد الأمة!

من المسؤول عن تراجع التديُّن في مجتمعاتنا المسلمة.؟!

كثيرة هي الأقلام التي حاولت تأمُّل الأمر ودراسته، وأرجعَته إلى مجموعة من الأسباب:

رأى بعضهم أن السبب هو فشل الحركات الإسلامية السياسية في حلبة المنافسة العالمية.

رأى غيرهم أن السبب هو الجماعات الإرهابية التي صدَّرت جرائمها للعالم بمنتهى الفظاعة.

بعضهم رأى الأمر يرجع إلى الانتكاسة النفسية بعد خيبة الأمل في “الثورات العربية” ونتائجها.

غيرهم قال: السبب هو سقوط بعض الدعاة وأخطاؤهم التي انتشرت على الملأ انتشار النار في الهشيم.

ولربما كان التأثر بدعاة زعزعوا الثوابت ومسُّوا القواعد أمام غير المتخصصين، فكانوا فتنة للمتابعين وسبباً للشك في الدين…

وأنا أميل إلى القول بأن كل ذلك كان له الأثر الداعم والتأثير الموجَّه بنسَب متفاوتة حسب كل شخص ورؤاه وقناعاته ومحاكماته، غير أن وضعَنا الديني وتدنِّي مستوى التزامنا في المجتمعات المسلمة اليوم هو في الأصل نتيجة إيديولوجية استعمارية داخلية وخارجية، تبِعها عمل دؤوب على نشر الرذيلة ودعم الفجور لتشويه الفطرة، وتفتيت الوجدان الذاتي، وتحصين المسلم المعاصر من “القابليَّة للتدين”، بل من قبول أي شيء طاهر ونظيف، وتلقيحه ليردَّ – وبشكل اختياري – كل ما له علاقة بالدين والتديُّن والمتديِّنين، ويتشنَّج نفسياً عند التعاطي مع فكرهم وسلوكهم، ويمنَح الجرأة على المحرَّمات والمقدَّسات والرُّموز والعلوم والتخصصات، مع استساغة الرذائل والمنكرات وتشرُّبها بالقلب والفكر، والقضاء على الفطرة وطمس حواس الضمير، والانتقال من الفجور البشري الذاتي الاستثنائي إلى الفجور الاستراتيجي المنظَّم المؤدلج المقنَّن المعزَّز المدعوم، الذي يتمتع برؤية وخطة استراتيجية تنقل المجتمع إلى الدرك الأسفل من جحيم الحياة. {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 27]

وللبيان: القضية عندهم ليست مجرد قضية عاطفية نتيجة كُرهٍ للدين، أو عموم كيدِ الكافرين للمسلمين، وليست عندنا – بطبيعة الحال – استسلاماً لعقلية المؤامرة، القضية قضية وأد لهذه المجتمعات المسلمة الهرِمة في قبور جماعية تفنيهم في غيابات التاريخ، خشية أن تستردَّ الأمةُ سيادتها يوماً وترجع إلى صدارة العالم وتتحكَّم فيما عداها من الأمم؛ بعد أن كانت بخيراتها وإمكاناتها ومواردها فريسةً سهلة طريَّة.

يقابل هذه الآلة الرهيبة – من المال والسُّلطة والإعلام والتنظيم – قوةٌ ناعمة من المبادرات الفردية والمؤسساتية التي تتمتع بحُسن النيَّة ولا تقوى على المجابهة النديَّة، وتعاني هجرة خيرة عقولها من دَور الإصلاح الاجتماعي إلى بوتقة محاولة الاكتفاء الذاتي، ويبدأ نجباؤهم بمرحلة العمل بالإطفاء بدل الإنشاء، والتصدي الضعيف لمحاولات الهدم بدل البناء، وينغمس بردِّ الفعل بدل الفعل، وتعمل بقية عقول الأمة بالمستطاع على مبدأ: “ما لا يُدرَك كلُّه لا يُترَك كله”.

الأسرة على خط النار:

ومع العمل على إفساد الفرد؛ هناك عمل جبَّار لدكِّ حِصن الأسرة التي هي المحضن الأول لهذا الفرد، وذلك من خلال:

رفع وصاية الأب وولايته وقوامته، واتهامه بالذكورة والشهوانية والانفعال الحيواني، وإلا فاتِّهامه بالجفاف العاطفي والإنساني والاستقالة الأسرية من الواجبات، مع تعزيز بطالته ورفع مستوى تحدّياته وإغلاق السبل في وجهه، وتكريس الهوَّة بينه وبين أبنائه، ليبقى في إطار الأب المتخلّف العابر للقرون!

الأم.. تُختصَر بإطار المظلومية، وتتركز حركتها في الدِّفاع ثم الهجوم، تناضل لحرية المرأة، تُسجَن في جسدها بين موضة ومكياج، ويُسجن عقلها بين قضبان حرية التَّكشف، وتتعرض لمجموعة من التشويهات تقزِّم دورها الأسَري وتعظِّم دورها الوظيفي، وتؤهِّلها للمشاع الاجتماعي، وتقدِّمها سلعةً تروِّج سلعة، ويُشيطَن كلّ ما يتعلق بها من أحكام الدِّين وأعراف المسلمين، مثل الحجاب والولاية والقوامة والمَحرَم والتحصين… وحتى “نون النسوة” لم تسلم من كيد النِّسويَّة! والأفعى تعض نفسها، إلا ما رحم الله من بقايا الخير في هذه الأمة، اللواتي أبقاهنّ الله شواهد للخير ومنارات للغير.

الطفل.. رهين فكرٍ تربوي مستورَد، تخضَع فلسفة تربيتِه لخلاصات ونتائج دراسات قامَت على غير مجتمعه، وعلى أطفال لا يشبهونه بالنشأة والظروف والدين والمرجعية، ثم كرَّست بعض المناهج التعليمية ضياعَه تحت وطأة العلمانية، واشترطت عليه لغة المستعمر المتخلفة، واحتكم لمزاجية المعلِّم غير المؤهَّل تربوياً ولا تعليمياً، ليقضيَ على ما بقي فيه… إلا ما رحم الله!

الشباب.. تُغلَق بوجهه أبواب الحياة الكريمة في بلاده، وتفتَح له أبواب الشهوات والنزوات على مصاريعها، يعسَّر له الحلال ويُيسَّر له الحرام، وتزيَّن له الدنيا في الطرف الآخر من العالم، ليتسابق إلى وظائف العبودية والتبعيَّة لهم.

إن انحسار التديُّن بين شبابنا عجيب! مَن كان يتوقع أن تأخذ الخمرة والمخدرات والنوادي الليلية والرقص والمعازف ومتابعة الإباحية… كل هذا الحيِّز عند شبابنا؟ وكل ذلك ميسَّر مذلَّل لهم!

من كان يتصوَّر أن تنتكس رجولتهم ليخرج أحدُهم بزوجته وأخواته وبناته مصطافاً إلى الشاطئ تنزعُ كلُّ واحدةٍ منهنَّ لباسها وتبدي شعرها ونحرها وصدرها وما يجب أن يُستَر منها على مرأى منه وموافقة! أليس هذا فعل الشيطان الذي {أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا} [الأعراف: 27]؟!

من كان يتخيل أن يبتدع الشباب طرقاً للسَّرقة والاحتيال والتزوير والتشهير والغش والاختراق الإلكتروني والمتاجرة بصور {الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ}… تجعل الشياطين حائرة مشدوهة من العجَب!

من كان يظن يوماً أن يرى شبابنا بهذه الألبسة والتسريحات التي لا تتصل بثقافتهم ولا تنسجم مع فطرتهم، قد انحدر همُّهم واهتمامهم، وغابت أهدافهم وانعدمت رؤاهم، وصارت كرة القدم إلهاً يُعبدُ من دون الله، له يعيشون، وبه يَصِلون ويقطعون، ويحبُّون ويكرهون، وله يعمَلون ويَقعدون؛ حتى صارت قضية الكرة قضية وجود ومكانة عالمية ووحدة وطنية… إنه والله لأمر جلَل!

محمدُ هــــــــــــــــل لهذا جئت تسعى؟

وهــــــــــــــــل لكَ ينتمي هَمَلٌ مَشاعُ؟

أإســــلام وتغلبهــــــــــــــم يهـــــــود؟!

وآســادٌ وتأكلهم ضبـــــــــــــــــــــــاعُ!

شرعتَ لهـــــــــم سبيلَ المجدِ لــــكن

أضاعوا شرعَكَ السامــــــي فضاعوا!

الإعلام المحلي – في سواده الأعظم – داعم لكل فسق وشذوذ وعريّ، بوقٌ فاجر لكل رذيلة استترَت خلف جُدُر، يسلِّط الأضواء على كل ما في الظلِّ من العار والفجور والفواحش، داعم لكل ما هو فاضح رديّ، محاصِر لكل ما هو نافع وجديّ، يحمل على عاتقه مسؤولية التنقيب عن الفساد والفتن والمنكرات والممارسات الفاحشة الشاذة، ثم يعرضها حتى تتشربها القلوب، يصوِّر كل مجتمع بأسوأ صورة وأكثرها إباحية، يعبث بقيم جمهوره، ويشوِّه لهم الصوَر الحياتية، ويُبرِز لهم الأراذل التافهين أيقونات الفسق والانحلال والجهل والتبعية، ويصور الملتزم والملتزمة بصورة المنسلخ من واقعه العبء على مجتمعه، متزمتاً جاهلاً يطيل لحيته ويقصر ثوبه ويعادي مجتمعه ويمارس عليه الوصاية، ويتساهل في القيم والكبائر ويتشدد في السنن والعبادات، ويقدّم للعائلة محتوى مخزٍ يحرجها ويمسّ سلباً قيمَها، وينقل الجيل إلى العيش في دائرة “اللامعنى” و”التفاهة المصطنعة” بعد أن عاش ردحاً في دائرة الرديء التافه عفويَّاً، وأغلب ظني أننا انتقلنا اليوم من مرحلة صناعة “التفاهة” العفوية وترويجها إلى مرحلة تكلُّف التفاهة المصطنعة ومحاولة مجاراتها والهبوط إلى مستواها من المتتافهين الذين يحاولون ركن عقولهم والالتحاق بالركب!  وهكذا تعمل (المضامين التافهة، تكوّن جيلاً تافهاً مهزوز الشخصية!)، تصديرها حرقٌ لوقود الفكر والاهتمام لدى المتابعين، وتضييع لزهرة الشباب وكينونتهم، وتبذير لموارد الحياة المادية والمعنوية، وعبثٌ بنقل هوامشها إلى المحور، وتغييب نواتها وتضييع بوصلتها!

تطوف بين مواقع التواصل الاجتماعي لتشعر وكأنك “عامل نظافة” في هذا الفضاء؛ تلملم قمامة الفكر، ومخلفات العلاقات، ومقادير التجارب الفجّة التي أُلقيَت قبل أن تنضج، وبقايا الفقاعات التي كانت يوماً ما تأخذ حيزاً بانتفاخها في هذه الفضاءات الافتراضية، وللأسف! هذا الفضاء هو موطن شبابنا اليوم وناديهم وسوق أفكارهم وقيَمهم وبيتهم الأول.

وهذا يأخذنا بعد الحديث عن الإعلام المحلي إلى الوقوف أمام آلة الإعلام العالمي التي لا تتوقف عن تحطيم القيَم الإنسانية والدينية، وتعزيز القيَم التي تَنقضها من شذوذٍ وقتلٍ وعنفٍ واستهلاكٍ وفرديةٍ وماديَّةٍ وخيانةٍ وتعرٍّ ومخادنةٍ… وإني لا أظن أن التاريخ شهد هذا المستوى من الانحطاط والتكشُّف والعريّ والفوضى الجنسية التي تفتك بنا اليوم، إلا في بعض الأمم السالفة، وقد أهلك الله تلك الأقوام بعدله، وأمهلَنا بحكمته!

تُرى ما أخبار خطوط الدفاع لدينا؟ ما أخبار مساجدنا وأئمتنا وعلمائنا؟

في كثير من المساجد لم تَعُد تستغرِب أن ترى الرجلَ غير المناسب في المكان غير المناسب، يتصدَّر للإمامة من لا يُحسِن القراءة، ويرتقي المنبر مَن لا يكاد يبين! يغنِّي خارج السِّرب، يعالج غيرَ موضع الداء، ويقاوم شبح أعداء الدين خارج حلبة الصراع، يظن نفسه في صلب المعترك وقلب المواجهة وهو – بجهله – ينفخ بكيرهم، يخطب بلغة الخشب والصلصال، وينسخُ مِن منشور الخُطَب ما لا يتَّصل بأهل حيِّه ولا ينفعهم بحال، فالمضمون وحشيّ، والأسلوب فوقيّ، وشاهد الجمعة غائب، ومصلّيها شارد، لا يعرف مداخلَ الخطيب ومخارجَه، ولا مراميه ولا مقاصده، يُسقِط فرضَه ويرجع بيته!

ثم يُزرَع في المسجد من يثير القلاقل بين فئاته، ويشكِّك العوام بمذاهبهم الفكريَّة والعقدية والفقهية، ويأخذهم من إيمان العجائز إلى دقائق الجائز وغير الجائز، ثم يُتّهَم منهجُه بالتطرف والتخلف والانغلاق، ورجالُه بالإرهاب والرجعية، فلا أهل المسجد عادوا إلى صفائهم السابق، ولا انتفعوا بتلك الدقائق.. وبالنتيجة: وأد الرساليّة المسجدية، وتعطيل هذا الفضاء الرئيس في المجتمع المسلم.

يرافق هذا العمل عملٌ آخر؛ هو لعمري أعظم كيداً وأبلغ أثراً، يقوم على تحريف الدّين بتفريغه من مضامينه، {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} [إبراهيم: 46]

وعى أعداء هذه الأمة أن تحريف ألفاظ كتاب الله محال، فقد حفظه المولى بحفظه {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، وهذا الحفظ يكون للقرآن والحديث واللغة التي يُفهمان بها، وقد حفظ الله تعالى القرآن بالصدور والسطور قروناً، وأحاط الحديث في كل عصر ومصر بما يكفل حفظه من الدسِّ والخلط والتحريف، وهيأ له رجاله الذين ينخلونه من الشوائب نخلاً، لكن ذلك لم يوقف أعداء الأمة الذين عملوا على تحريف المعاني، والتشكيك بثبوت المباني، فطعنوا في من فسَّر القرآن وبيَّنه، وأثاروا الشبَه على من نقل الحديث ودوَّنه، وغمزوا بقدوات الأمة وأسلافها وفقهائها الذين استنبطوا الأحكام من أدلَّتها، ثم ضيَّقوا على علماء الأمة وأعلامها، ودعموا تلك الأبواق الرنانة التي بُحّت وهي تسبِّح باسمهم، واستكتبوا الأقلام الداخلية الهدامة التي انبهرت بهم ثم انبرت لتنفيذ خططهم وسياساتهم، ومكَّنت لكل شبهة فكرية تزعزع الدِّين وتفتح لأتباعه أبواب الخروج منه، وتبرِز كل فتوى شاذة تحمل غريب المنطق وعجيب الأحكام، وجمعوا الرخص التي تذلل سبل الميوعة وتدفع للانفتاح على غير المسلمين والارتماء في أحضانهم بلا ضوابط، وتكرِّس التبعية لهم، سارت خلفها فئام متشبعة بالقابلية للاستعمار، لا تكلُّ ولا تملُّ من ترداد صدى أقوالهم وأفعالهم التي نرى آثارها في مجتمعاتنا العربية والإسلامية!

حرَّفوا المواسم العبادية والأحكام الشرعية وأخرجوها من السياق التعبدي إلى الطقس الاجتماعي، وأخضعوها للقبول العقليّ والرد المزاجيّ، فصار رمضان شهر الطعام والتسوّق والسهرات والخيَم الرمضانية، وصارت الزكاة والصدقات مادة لجلب التفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، وصار غضُّ البصر وترك المصافحة بين الجنسين تخلفاً وانغلاقاً، وصار الزواج حرباً اجتماعية باردة باهظة الثمن إنشاءً وإنهاءً، وصار الحجاب قطعة قماش تَحدُّ من دور المرأة وحريَّتها، في مجتمعاتهم لا حرّيَّه لها بارتدائه، وفي المجتمع المسلم حقُّها أن تقتنع به قبل ارتدائه، ثم هم يفعلون فعلَهم في عقلها ونفسها قبل ذلك وبعده!

كل هذا يدعم الباطل في وجه الحق، والضلال في وجه السداد، ويحاصر أهل الحق والدعوة والخير بحصون البيئة الاجتماعية المنتخِرة بالفساد المشبَعة بالشهوات، ويمهِّد لانتكاسة أبديَّة بعد أن يصير المنكر معروفاً والمعروف منكراً، ويتحول المجتمع إلى مَسخٍ مشوه لا قيَم له ولا قوام، وبذلك لن تقوم لهذه الأمة وأجيالها من بعدها قائمة، ستكون تابعة وخادمة لقوى استعمارية واستبدادية غاشمة؛ أشعلتها بنار شهواتها، وجرّتها إلى حتفها بحبال غرائزها.

الحل: الرجوع إلى الله:

هنا تبرز ضرورة تعلُّم المسلم ما لا يسعه الجهل به، ثم يقوم بواجب “تبليغ” أمر الله، ويرعى الفريضة المنسية “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، كل ذلك بحدود ما يَعْلَم، ومَن يَعْلَم.

وتبرز معه ضرورة صناعة ودعم مَن يحمل كلمة الحق ويبثُّها في الآفاق، فلا بدَّ من الاستثمار في طلاب العلم الشرعي، واصطياد عباقرة الأطفال والشباب وتوجيههم ورعايتهم وكفايتهم مؤونتهم لتفريغهم للتعلُّم ثم التعليم والتدريس والخطابة والتأليف العلمي والإعلامي… وهذا والله ليس بتضييع لهم ولا لإمكاناتهم، فما قام هذا الدين في السالفين إلا على أكتاف رجال تميَّزوا بالذكاء والفطنة والنباهة والحصافة وقوة الحافظة وتعدُّد المواهب، وسبَقوا جيلهم بمسافات بعيدة، تُدهش قارئ سيَرُهم ومتأمّل ميراثهم الفكري الفريد.

ولا غنى بعد ذلك عن بناء المدارس الشرعية والقرآنية المتميزة النموذجية لتأهيل ما يسدُّ الاحتياج في مجتمعاتنا من أبنائنا، فهم الورقة الرابحة الأولى، ولعل واحدهم يسدُّ ما لا يسدُّه ألف رجل من عامَّة الأمة، خاصة إن كان مثقفاً، حكيماً، مطلعاً، متصلاً بواقعه، مَكفيَّاً، مترفعاً عن الحاجة للمجتمع الذي يدعوه، فبذلك يعظُم قدره فيهم وتبلغ كلمته القلوب والعقول، و(أعظم ما يكون العبد قدراً وحرمةً عند الخلق إذا لم يحتَج إليهم بوجهٍ من الوجوه، فإن أحسنتَ إليهم مع الاستغناء عنهم؛ كنتَ أعظم ما يكون عندهم، ومتى احتجتَ إليهم – ولو في شربة ماء – نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم) [الفتاوى – ابن تيمية].

تبرز كذلك أهمية الأسرة التي هي المحضن التربوي الأول، التي تبني القيَم، وتثبت الدِّين في نفوس النشء، ولا بد لرُكنَيها – الأب والأم – من التأهيل الزواجي أولاً، ليكون بناءُ الأسرة على أسس متينة راسخة يُرتَجى ثمرها، ثم التأهيل التربوي ثانياً، لبناء الابن المتوازن السَّليم نفسياً وعقلياً وأخلاقياً وقيَمياً وإيمانياً وصحياً وعلمياً واجتماعياً ووطنياً.

ترافق الأسرةَ مدرسةٌ قامت على معلِّم متأهل ومربٍّ رساليّ، ومناهج تركّز على لغة القرآن، فاللغة تحمل الثقافة والتاريخ والقيم والدين، في حين أن غيرها يحمل ثقافة الآخر وتاريخَه وقيمَه ودينَه، ولا ينبغي – والحال هذه – تعلُّم لغة الغير إلا بعد استيفاء تعلُّم اللغة الأمِّ والتتلمُذ عليها. 

تحمل مؤسسات المجتمع التعليمية والتربوية قسطاً من هذه المسؤولية، ولا مفرّ لها من الإبداع والريادة بدل التقليد والتبعيّة.

حقيقة: ليس لنا من حلٍّ إلا بالرجوع إلى الله! أياً كانت الأدوات والسبل، وإلا فآخر النفق مظلم، والقاع مقفِر، والمآل وخيم! {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38].

في هذه التدوينة

أسئلة متكررة عن هذه التدوينة

تدوينات مشابهة

انضم لنشرتنا الأسبوعية

احصل على مقالات وإصدارات حصرية تثري عقلك وروحك حول النفس والعلاقات والأسرة ..